ابن سبعين
103
رسائل ابن سبعين
وبالجملة : اللهو هنا هو السلو عن المصالح ، والإضراب عنها . والعلل : هو التسويف ، يقال : عللت فلانا بمعنى سوفته ، والسهو : هو الذهول عن الشيء ونسيانه ، أو يقال : السهو : هو عدم تذكر الشيء في الضمير ، والعلل : هي الأسباب المؤدية إلى الشيء ، كما تقول : علة مرض فلان الحمى ، أو علة نبات الحشيش المطر ، أو علة علم فلان النظر والبحث ، أو علة الجهل الغفلة ، وعدم الاجتهاد ، وقلة المساعد ، وعدم المرشد ، وما أشبه ذلك ؛ وبالجملة العلة : هي السبب المؤدي إلى الشيء ، نقصا كان أو كمالا . وكان الشيخ رضي اللّه عنه ذكر هذا هنا على جهة العتب للغافل عن مصالحه ، وعن طلب سعادته لمّا كان الالتهاء والتسويف يورث عدم الطلب والبحث والاجتهاد ، وعدم ذلك يترك الإنسان في الجهل والغباوة ، والجهل أصل الشر والفساد ، والشر والفساد يورثان الشقاوة الأبدية والبعد عن اللّه ، عاتبه على ذلك . ولمّا كان السهو معناه الغفلة والذهول عن المصالح ، وعدم التوجه ، وذلك يزل إلى النقص وعدم العلم باللّه ، وقلة الطاعة ، وذلك كله يورّث البعد عن اللّه ، والشقاوة الأبدية عاتب من قام به ذلك وذمّه ، ونبه الغافل لطلب رشده ومصالحه ، والأخذ فيما يجب من الأمور المؤدية إلى رضوان اللّه ، وإلى النعيم السرمدي ، والبقاء الدائم ، والأنس باللّه ، والإقامة في حضرته المقدسة عن الزمان والمكان ، وعن طرق الأغيار والأضداد ، وحضه على الإضراب عن اللذة المحسوسة الخسيسة العاجلة المنقطعة التي توجد في وقت دون وقت وتداخلها الأضداد والأغيار ، وتذهب بالموت . فإن قيل : لم ذكر الآصال والأسحار ، ولم يذكر أوساط الليالي والأيام ، وما بينهما من الساعات والأحيان ، وطاعة اللّه وذكره يجب في كل زمان ؟ قلنا : أعطى ذلك بالنظر في مفهوم الخطاب ؛ فإنه إذا سلمت الطرفان من الشيء تضمنت سلامة الوسط ، وأيضا لمّا كان آخر النهار وقت ارتفاع الأعمال ، وصعود الحفظة بأعمال اليوم ؛ حض على الاجتهاد في عشية النهار ؛ ليكون آخر ما تكتبه الحفظة خير عمل ، وخير عبادة وتوجه ، والأعمال بخواتيمها . وكذلك القول في الليل لمّا كان آخره تصعد فيه حفظة الليل ؛ حضّ على الاجتهاد فيه ، والتوجه الصرف ؛ ولأجل ما ذكرناه من مراعاة الخواتيم ، أو لكون الأواخر من الأعمال ؛ تنسخ ما تقدمها من البطالة والغفلة ، أو يكون الحضّ على ذلك والحث عليه من الأمور التي علمها الوارث وفهمها عن الشارع من تخصيص تلك الأوقات ، ومن نزول